درويش الأسيوطي

مدونة الشاعر والكاتب المسرحي


بقية: قراءة عبد الجواد خفاجي لقصيدة [ سلة الخبز ]

كتبهاdarwish al-asuty ، في 29 ديسمبر 2008 الساعة: 09:17 ص

            والسؤال الذي يطرح نفسه الآن :ــ كيف استطاعت القصيدة أن تجعلنا طرفاً ــ نحن المتلقين ــ في الصراع ؟، والإجابة: لقد سبقت الإشارة إلي كسر الذاتية من خلال الموضوعة الخارجية عم أحمد من ناحية، ومن ناحية أخري الاتجاه بالموضوعة من إطار الخصوص إلي العموم .. بهذا الخروج إلي العموم تصبح القضية قضيتنا، ونصبح متحمسين للرؤية المطروحة في القصيدة لسببين: أولهما : إننا جزء من هذه الرؤية ، وثاينهما : أن القصيدة تطرح رؤيتنا إذ تتجه بنا إليها أو بها إلينا، وما كان ذلك أن يتم إلا بوسائل تعبيرية درامية، لنا أن نتوقف عندها، منها:
( 1)
القناع / عم أحمد / الموضوعة الشعرية، الرابطة بيننا وبين الذات ، وقد اتجه بهذه الموضوعية ــ علي

       نحو ما سلف ــ من الخصوص إلي العموم .
( 2)
الجميع بين المتناقضات ( الصورة الحقيقية للحياة / الواقع ) مثل الجمع بين : الأطفال ــ والقامة

       المديدة و تعلق الأطفال ــ غمغم واستدار و طلقة ــ ترقد و ابتسام ــ أرق و ضحك ــ

       سهاد و الطرق ــ النعاس و المشي ــ الثبات و الفجر ــ الانصراف و الحرب ــ السلام  

      و يمشي في ثبات ــ نهر النيل يرحل و أعطاه السجائر ــ أعطاه درسا .

       أي جمع هذا ؟! . وأي مفارقة تلك التي يخلفها هذا الجمع ؟ فمثلا أعطاه السجائر ــ أعطاه درساً .. جمع يشي في خَفَرِ جميل عن المفارقة .. وأي مفارقة تلك التي يخلِّفها الجمع بين العطائين .. أي عطاء من شأنه أن يحدث تكييفاً لحالة عم أحمد، مع الدرس / الصدمة التي تذكِّر عم أحمد بعجزه وعدم درايته بالادخار في وقتٍ لا يجد فيه ما يدخره . إنها المفارقة إذن أن يكون كل فعل للتكيف مع المأساة / الحياة مساوياً تماما لفعل آخر هو رد فعل الحياة / الواقع / الصدمة التي تشعرنا أننا لا نستحق هذا.
( 3)
الحوارات والمنولوج الداخلي وكلاهما ناقل لجوانيات الشخصية القناع ومجسدة لمشاعره وأفكاره

        ومعبره عن الحالة.
( 4)
الحركة والحركة المقابلة: تعلق الأطفال بقامته ـ صكَّ خد الباب و يمشى في ثبات ـ الشارع  

       النعسان و يمشى في ثبات ـ نهر النيل يرحل
(5)
السرد المشبع بالدلالات : راح يرقبنا وينصت / يحتسى الشاي ويسعل / ضجت الجلسة بالضحك

      المسهد / كان نهر النيل يرحل

          ولنا أن نتأمل دلالة التعبيرات الآتية لنرى صورة للواقع والحياة ولأنفسنا: الضحك المسهد ـ الأماني المؤرِّقة ـ القلب المؤرَّق ـ الطرق المعادة ـ النهر الراحل فى بلادة ـ القلعة المسكونة بالأشباح والتعذيب ـ الطلقة التى ترقد بالصدر ـ العينان المشتعلتان أسئلة وضيقاً ـ دُقة وملح وخبز مقدد .. أية حياة هذه وأية تعاسة ؟ .. لم يكن الأمر أسوء من هذا فى عام الرمادة الذي عرفه التاريخ العربي ، غير أنه كان عاماً واحداً، ولم يكن كواقعنا الحاضر ممتداً فى رمادته، غير أننا هذه المرة نحن الصانعون لمأساتنا بأيدينا .. بتوجهاتنا الفكرية الخاطئة ، ورؤانا الكليلة.


  (6)
المشهد الشعري بما يحويه من ملامح للمكان والشخوص.
        فملامح المكان مأساوية: نهر يرحل ـ شوارع ناعسة ـ رواد مقاهي ينصرفون ـ طرق معادة بينما

        تتناثر في المكان أشياء تنم عن مأساة: عينان تشتعلان أسئلة وضيقاً ـ سلة خبز وحيدة ـ طلقة راقدة

       سلة عتيقةالشخوص الذين يصنعون الحركة أطفال ـ الخنازير الصغار ـ الأشباح الكبار ـ عم

       أحمد وأمثاله من شخصيات تائهة مهزومة مأزومة فيما كانت الأفعال التي تشي بالحركة كلها

       مأساوية، وتنم  على التلاشي والأرق والانتهاء والسكون: حطَّ ـ تحسس ـ يرحل ـ انصرفنا ـ يلعن ـ

       يمشي في ثبات ـ يسعل ـ ترقد ـ يرقب ـ ينصت .

       هذا المشهد بما يحويه يربطنا بواقعنا وبحياتنا جميعاً وليس بحياة الشاعر/ المؤلف التي يعج بها صدره ومشاعره المغلقة على ذاته .. إنها حياتنا التي يجتمع فيها الملاليم والأسعار نار و الملاليم والادخار حياتنا التي صارت بين قوسين محاطة بالخنازير الصغار والأشباح الكبار، وبالأخص حياة الشريحة الفقيرة من مجتمعنا تلك التي تماثل عم أحمد في وضعيته الاجتماعية التي تعبر عن مستواها المفردات: الملح، الدقة، الخبز المقدد .. وثمة ما يعبر عن أفق حياتنا وما يدور فيها من أحاديث عن الحرب والسلام والغلاء وما إلى ذلك من حوارات عن التطبيع والأمنيات المؤرقة.


      والحقيقة أن قصة عم أحمد على طرافتها لا تلفت انتباهنا إليها إلا بالقدر الذي أثرت به فينا، فهي حيلة فنية في الشعر، وظيفتها أن تلفت إلى أسباب ودلالات ورودها في القصيدة / الشعر .. أي أن قصة عم أحمد لم تكن أكثر من أداة فنية في القصيدة، حتى لا نتوهم أن درويش الأسيوطي تورط في كتابة قصة على حساب الشعر.


           القصيدة بهذه المثابة لا تزال صادرة عن موقف الشاعر الفكري الخاص، ملونة بمشاعره وعواطفه، وهو موقف يقدم لنا الحياة كما لو كانت قصة خيالية أساسها التناقض والمفارقة والإحباط العام، ولم يقدم فيها الشاعر مجموعة من الاختيارات المشفَّة عن واقعنا المعاين فحسب، بل قدم معها مجموعة من المواقف المشفَّة عن واقعه النفسي ورؤيته الخاصة.


       ولنا أن نتأمل في هذا الصدد الجزئية الأخيرة من القصيدة: حينما لملم ضوء الفجر/ رواد المقاهي ، وانصرفنا / هو بالقلب المؤرق بالتمني / وأنا للشاعر النعسان والطرق المعادة/ كان نهر النيل يرحل في بلادة / عند باب القلعة المسكون بالأشباح / والتعذيب كانت / سلة الخبز وحيدة / لم يكن فيها كثير .. / كان بالسلة أحلامُ / وخبزٌ وقصيدة


           عندما نقف متأملين هذا المقطع الأخير سيدهشنا أن الشاعر قد خلع قناعه وسيدهشنا أننا في النهاية أمام سلة وحيدة، كما صار الشاعر وحيداً، وسيدهشنا أن السلة لم تكن تحوي إلا أوراقاً .. وخبزاًو قصيدة وأحلاماً ، تماما مثلما أن ذات الشاعر مستودع لهؤلاء، ومثلما أن حياة الشاعر فارغة إلا من هؤلاء، وبهذا الانفصال بين الشاعر والقناع بدأت الذات الشاعرة السفور : أنا للشارع النعسان والطرق المعادة .. ثمة مواجهة صامتة لحياة غافية، وقد سيطر على المشهد الأكبر في الحياة أشباح كبار متسلطون يمارسون التعذيب في قلعة كبيرة، في حين أن النيل / رمز الحضارة المصرية يرحل في بلادةٍ .. أفول مصحوبا ببلادة في طقس ناعس .. هذه هي الخلفية الكامنة في الذات تفصح عنها وقد خلعت قناع عم أحمد .. وهذه هي الحالة العامة التي كانت موضوعاً للتأمل الشعري، والتي اضطرت الذات الشاعرة لأن تتلبس قناعاً تظهر لنا به، وتتجه به إلينا.  أما وقد خُلِع القناع فنحن أمام سلة وحيدة ( الحياة الضيقة المحصورة المشمولة بالوحدة والانقطاع ) السلة الوحيدة إذن رمز لحياة الفرد منا ..!!   لا تحوى غير الخبز والأحلام المهيضة والأوراق والقصيدة أو لسان الحال .. وأية قصيدة وأي لسان حال؟! .. إذا كانت الأحلام ومعها الخبز قسماً مشتركا بين الجميع ، فإن القصيدة وحدها تخص شاعر ما، ومن ثم فإن السارد الذي ظل يسرد لنا قصة عم أحمد لم يكن سوى شاعر من ضمن شخصيات القصة، وهو الذي ظل وحيداً في النهاية مع قصيدة درامية هي صورة لحياتنا / حياته.

            غير أن التساؤل المطروح الآن: لماذا هي السلة أمست وحيدة؟ .. لقد كانت منذ قليل في يد عم أحمد عندما كان جالساً على المقهى يثرثر ويجاهر برأيه مع صحبه؟ .. لقد اختفى عم أحمد من المشهد اختفاءً فجائياً مثيراً مريباُ دونما إشارة واضحة، بينما كانت السلة هي دليلنا على مكان اختفائه، من هنا تصدمنا النهاية المأساوية المؤسفة؛ فعم أحمد اُخْتُطِف، والأشباح يمارسون الآن تعذيبه في القلعة .. لكأن عم أحمد ينقصه عذاباً ؟! وهذه هي المفارقة التي تشف عن أدور النظم الحاكمة .. إنه أدوار شبحيٌّة تضيف إلى عذابات الناس عذاباً جديداً وهماً متجدداً .. لكأن كل أزمات عم أحمد / المواطن / الشعب ، سواء النفسية أو الاقتصادية لم تعد محل نظر النظم الحاكمة ، أو لكأنها ـ تلك الأزمات ـ ليست شافعة عندها لرحمة هذا المواطن البسيط المهيض . بدت مهمة تلك النظم هي أن تزيد الطين بِلَّة ، وتلك إشكالية ( الشاعر ـ السلطة ) التي تستدعي إشكالية ( المواطن ـ السلطة ) في عالمنا العربي.


      عم أحمد مجرد مواطن / مجرم ، لا لشيء إلا لأنه جاهر برأيه في ثرثرة عابرة على المقهى .. الثرثرة / المتنفس الوحيد لدى المواطن أضحت جريمة .. ثمة مفارقة إذن يخلِّفُها الواقع السياسي تضاف إلى المفارقات الكثيرة التي استشعرناها مع القصيدة، جميعها تؤكد لنا أن هذه القصيدة (سلة الخبز) هي صورة لحياتنا الدرامية، الفارق أننا خارج القصيدة لم نعد مؤهلين لاستكشاف تلك الدراما .. ثٌرى إلى أي مدى كانت قصيدة درويش الأسيوطي بوسائلها الدرامية مستكشفة لهذه الدراما في واقعنا، وإلى أي مدى كانت هذه الوسائل حاملة لصورة حياتنا مغلفة برؤية فنان مستكشف؟.

                                                                                                   عبدالجواد خفاجى

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر