قراءة في قصيدة سلة الخبز قراءة : الأستاذ عبد الجواد خفاجي
كتبهاdarwish al-asuty ، في 29 ديسمبر 2008 الساعة: 08:55 ص
المنتدى : فرسان النقـد الأدبـى
قصيدة وقراءة سلة الخبز
قصيدة وقراءة:
أولا: القصيدة
ســلَّة الخـبز
شعر: درويش الأسيوطي
كان صوت الزوجة المشروخ
ينذر بالشجار
علَّق الأطفال أعينهم بقامته المديدة،
صك خد البابِ في عنفٍ، وغمغم واستدار
خارجاً يلعن ضيقَ الرزقِ،
أصحاب المخابزِ،
والخنازير الصغار ..
ـ ( إنما الأطفال سجنٌ للكبار ..)
………………
مرِّ بالبقال ..
أعطاه السجائر
بعد أن أعطاه درساً
في مزايا الادخار،
ـ ( .. كيف يا الن الـ…..
والأسعار نارْ ؟! )
والملاليم القليلةُ
مثل سِربِ الوهمِ
إن تَفْتحْ لسربِ الوهم طارْ !!
………
مثلما في كل ليلة،
(عمّ أحمد)
جاءنا بالملح والدُّقَّة والخبز المقدَّدْ
كان لا يبدو سعيداً ..
حطَّ سلَّته العتيقةَ
فوق مائدةٍ ليقعدْ،
راح يرقبنا وينصتُ ..
صامتاً مثل المغارات القديمةِ
يحتسي الشايَ ويسعلْ ..
حين خُضْنَا في حديث الحرب والسلمِ تنهَّد،
مدَّ إصبعهُ،
تحسَّسَ طلقةً بالصدر ترقد،
قال والعينان تشتعلانِ أسئلةً وضيقاً:
ـ …. مَنْ أتوا مِن آخر الدنيا إلينا
كلُّهم أولاد (….)
لم أجد فيهم صديقْ
…………..
ضَجَّتِ الجلسةُ بالضحك المسهَّدْ ..
حينما لملمَ ضوء الفجرِ
روَّاد المقاهي، وانصرفنا،
هو بالقلب المؤرَّقِ بالتمنَّي،
وأنا بالشارع النعسانِ والطرقِ المعادةْ
كان يمشي في ثباتٍ ..
كان نهر النيل يرحلُ في بلادَةْ ..
عند باب القلعةِ المسكونِ بالأشباحِ
والتعذيب كانتْ ..
سلَّةُ الخبز .. وحيدة ..
لم يكن فيها كثيرٌ
كان بالسلةٍ أحلامٌ
وأوراقٌ
وخبزٌ .. وقصيدةْ !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من ديوان [ بدلا من الصمت ] ـ الطبعة الثانية ـ مكتبة الأسرة
ثانياً: القراءة
دراميةُ الواقع / دراميةُ التجربة
قراءة : عبدالجواد خفاجي
*********
ليس المهم أن تشفَّ القصيدة عن الموقف الفكري والشعوري الذي يعبر من خلاله الشاعر
عن درامية الواقع ومآسيه، تلك التي تقف كمحرك أول لمآسي الذات الشاعرة، وتعمل على تفاقمه ا. الأهم والأولى شعريًّا أن تتنحى الذات الشاعرة عن عرض الدراما أو التعبير عنها بوسائل مباشرة، أو حتى التدخل كنصر من عناصر الدراما .. تتنحى عن ذلك لتتجه وجهة أخرى تسمح لها باكتشاف الدراما لا التعبير عنها، ذلك لأن الدراما تقع حقيقة في المسافة الفاصلة بين الذات والموضوع، ومهمة اكتشافها يقع على عاتق الفنان وحده .
هذا التوجه الأخير هو ما لاحظته في قصيدة سلة الخبز المنشورة في ثنايا ديوان بدلاً من الصمت للشاعر درويش الأسيوطي . نلحظ في القصيدة توظيف الأسلوب القصصي كأحد العناصر التعبيرية للدراما، ولقد استخدم درويش الأسيوطي هذا الأسلوب لالتقاط الدراما في الواقع، وتسجيل بعض التفاصيل القصصية الدقيقة للعناصر الدرامية الموضوعية ، من خلال التركيز على أفعال الشخصية (عم أحمد(.
في هذه القصيدة كانت الذات الشاعرة محايدة تماماً في العرض القصصي، ولم تتدخل بفرض شعورها الخاص، ولا بفرض موقفها الفكري الذي قد يلون الأحداث، لكنما قد يبدو ذلك مخالفاً لمقولة: لا حيادية في الأدب.. والحقيقة إن عدم الحيادية موجود في التجربة التي نحن بصددها، إذ الذات الشاعرة ـ أولاً وآخراً ـ هي التي تفرض زاوية الرصد وتمتلكها وحدها، وهي وحدها التي اختارت عم أحمد ليكون محوراً لعملية القص، والحقيقة ـ أيضاً ـ ومهما قيل: ألا حيادية في الأدب ، فلابد أن تبقى الأدوات محايدة.
إذن عدم الحيادية موجود خلف النص لا أمامه ، عدم الحيادية موجود إذ توجد الذات التي ترى، والتي اتخذت موقفها من الحياة والكون، ولكن عليها أن تنقل لنا مكتشفاتها بأدوات محايدة تماماً، ومن دون أن تتحول هي إلى أداة .
في قصيدة سلة الخبز محاولة رائعة لاستكشاف الدراما من خلال التركيز علي قصة عم أحمد الذي هو صورتنا جميعا، وضميرنا الجمعي .. يلتقط السارد جزئيات وتفصيلات صغيرة جداً ليحمِّلها دلالات عظمي .. اختيارات الشاعر كانت وسيلة إذن، ومؤشراً لدراما عظمي كامنة في الحياة .
يبدأ صوت السارد عملية القص مستخدما الفعل الماضي ( كان) ليحيلنا إلي التحقيق الفعلي، فلم يعد من شك في أن ما سيخبرنا به محتمل بل متحقق، غير أنه معنيٌّ الآن بالسرد عن هذا المتحقق .
وقد بدأت القصيدة بمشهد تمهيدي يصور حالة عم أحمد صاحب القامة المديدة، وهو يهرب من مواجهة صوت الزوجة، وعيون الأطفال .. هو في الحقيقة يهرب من احتياجاتهم مرغمًا .. هو يهرب إذن ــ مرغمًا ــ من مسئوليته .. صحيح أن عم أحمد يهرب من مسئولية شخصية، ولكن وبنظرة أكثر اجتماعية وأكثر وعياً بالمسئولية هو يهرب من مسئولية اجتماعية كبري تخص الوطن .. أوليس الأطفال أبناء الوطن، وعدة مستقبله ؟!
من ناحية أخري عم أحمد لم يهرب طوعاً بل كان مغلوباً علي أمره الذي لم يعد أمره، في الوقت ذاته يشف حاله عن لكنما دور المسئول الأكبر في المجتمع الذي أجبر هذا العملاق علي الهروب من مسئوليته ، كما تشي بعد استقرار الأسرة/ اللبنة الأولى في المجتمع، ومن ثم عدم الاطمئنان إلى مستقبل الأسرة/ المجتمع، وبهذا تتجه القصيدة إلي تفعيل رؤيتها باتجاه عام يشملنا جميعا .
عم أحمد المغلوب علي أمره ، المسئول صاحب القامة المديدة، ورغم تعليق الأطفال بهذه القامة يفضل الهروب عن البقاء معهم. الهروب إلي أين ؟! .. ومن أسف كان الهروب إلى المقهى حيث تناسخات عم أحمد .. شخصيات تائهة ضائعة ، تمارس الثرثرة واجترار الأحزان والأحاديث المعادة ، والأمنيات، ولا فعل غير ذلك إلا ما يمكن أن يتم مجسداً في قصيدة .. بهذا يدخل الشعر حيز المأساة ليصورها وهو في الوقت ذاته مصطبغ بلونها .. وماذا بعد؟! .
ثمة ما يشي بالضيق العام ، والطقس المشحون بالإحباط والتوتر منذ بداية القصيدة: صوت الزوجة ينذر بالشجار ــ غمغم واستدار ــ يلعن ضيق الرزق، أصحاب المخابز، الخنازير الصغار ــ الأسعار نار ــ الملاليم القليلة مثل سرب الوهم تطير .. ثمة معاناة مزدوجة إذن .. معاناة اقتصادية تخلِّف معاناة نفسية، لدرجة أن عم أحمد يصرح عبر منولوج داخلي جاء مطعماً السرد: إنما الأطفال سجن للكبار .. الأطفال رغم صغرهم وضآلتهم سجن للكبار من أمثال عم أحمد .. لا يمكن أن يكون هذا الحكم مقبولاً من عم أحمد ما لم يكن صادرًا عن ذات تستشعر ضآلتها وعجزها التام .. هكذا يبدو عم أحمد ـ في الواقع ـ رغم أنه ـ شكليا ـ عملاق.
لنا أن نتساءل عن سبب أقزمته .. هل بالفعل هي مسألة اقتصادية طارئة أو حتى غير طارئة ؟ .. هل هي المطالب البيولوجية الملحَّة التي يعجز عم أحمد عن توفيرها له ولأولاده ؟ .
عم أحمد رغم ظروفه هذا يدخن: مر البقال .. / أعطاه السجائر / بعد أن أعطاه درساً / في المزايا الادخار ويلي ذلك حوار خفي لعم أحمد مع نفسه يرد به علي البقال: ــ كيف يا ابن الـ ( …. ) والأسعار نار ؟ … وفيما يبدو أن أزمة عم أحمد ليست طارئة: مثلما في كل ليلة / عم أحمد / جاءنا بالملح والدقة والخبز المقدد .. هو لا يمتلك فعلا غير القعود واجترار الأحزان والأمنيات والوهم ، وفيما بدا أنه مهموم بقضية أكبر تقف خلف مآسيه وتعكس انهزامية جماعية: صامتاً مثل المغارات القديمة / يحتسي الشاي ويسعل / حين خضنا في حديث الحرب والسلم تنهد .. / مد إصبعه ، / أتحسس طلقة بالصدر ترقد .. ثمة غيظ وقهر كامن بالصدر كطلقة مدمرة لو خرجت ، وثمة ما يمكننا كولة بشكل آخر : إنها القوة المكبوتة قهرا ، وقد تبدل الوضع السياسي من حرب تصنع نصرا وتحرر أرضا وتطرد عدوا إلي وضع يصنع سلما واعترافا بالآخر العدو ، وتطبيعا مائعا يتمنطق بالسلام / الاستسلام .
هكذا تستحيل كل قوة تحررية أصلية في هذا الشعب إلي قوة متوارية في الصدور، وقد تبدل الوسط ، وأصبح الحديث عن السلم مقرونا بالحديث عن التنمية وتحسين الاقتصاد .. والنتيجة ماذا ؟ تطرح القصيدة همًّا يعطي الإجابة: الملح ــ الدقة ــ الخبز المقدد ــ سلة أحلام ــ أوراق ــ قصيدة وجميعها مفردات للوهم والضياع والفقر .
وبهذا تطرح القصيدة رؤية شاعرها، وتجسدها من خلال عم أحمد الشخصية المخترعة التى تنقل بحواراتها حوارات الشاعر . ومن ثم فعم أحمد ليس إلا قناعاً للشاعر، وهذا هو الفن عندما يبعد عن المباشرة وينأى بالذات عن التدخل المباشر الصريح كطرف فى عناصر الدراما .
من ناحية أخرى استطاع النص أن يشعرنا بعمومية كامنة خلف عم أحمد كفرد يعاني من ضيق ذات اليد، وكثرة الخلف ، وتسلط الزوجة .. هذا الهم تخطاه النص إلى وضعية عامة أوسع من خلال المفردات وطرق الإسناد ، وتحميل اللغة بالدلالات؛ فليس حديث الحرب والسلم خاصاً بعم أحمد وحده وليس استخدام ضمير المتكلمين فى جاءنا استخداماً اعتباطياً .. وليس ورود مفردة المقهى إلا لإنتاج دلالة تتجه بنا نحو المجموع .. وليس الخروج بالحدث من بيت عم أحمد إلى الشوارع الناعسة والطرق المعادة إلا اتجاها بالحديث نحو الحياة العامة .
هكذا نحن أمام محطات ثلاث : ذات شاعرة ــ موضوعة شعرية ــ واقع موضوعي .
كيف استطاعت القصيدة أن تخرج من ذاتية صرف إلي واقع موضوعي ، وكيف حدث العكس، عندما تُشَعْرِنُ الواقع الموضوعي لتُلْبِسُه ثوب الذات ؟ .. إنها جدلية العلاقة بين الذات والموضوع تمت من خلال عم أحمد الموضوعة الشعرية التي تحمل لون الواقع الموضوعي في الوقت الذي تعد نتاجاً له. وهكذا هي القصيدة الغنائية الدرامية، عندما تلون غنائيتها بالدراما التي تسكن المسافة بين الذات والموضوع .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن :ــ كيف استطاعت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























