مغامرات الشاطر محمد
صاغها من التراث الشعبي للناشئة:
درويش الأسيوطي
أول الكلام :
كان وكان .. وما يحلو الكلام إلا بذكر النبي .. عليه الصلاة والسلام
كان فيه ملك ـ وما ملك إلا الله ـ له سبعة أولاد أصغرهم الشـاطر محمد ،
كل يوم يدخل الوزير إلى الملك ويقول : يا مولاي .. ولدك فلان يريد أن يتزوج ..!! . اغتاظ الملك وحلف بالله أنه لن يزوج أحدا من أولاده حتى يطلـب أصغر الأولاد الزواج . كبر الشـاطر محمد وطلب الزواج ، فأسرع الأولاد من يقابل بنتا يأتي بها إلى الملك ويقول : سأتزوج هذه يا أبي . لكن الشاطر محمد رفض الزواج بهذه الطريقة وقال أنا لن أتزوج إلا من بنت أعرف أصلها وفصلها تحبني وأحبها . قال الملك : اسمعوا .. طالما تعجلتم الاختيـار .. لن أزوجكم إلا لسبع بنات شقيقات .. فهيا .. ابحثوا عن سبع بنات شقيقات .
وهكذا خرج الشاطر محمد واخوته للبحث عن الشقيقات ..
المغامرة الأولى :
الشقيقات السبع
تزود أبناء الملك بالطعام والماء وخرجوا يبحثون عن البنات الشقيقات ، ساروا على الخيل حتى انتصف النهار ، وكان الجو حارا والطريق بين الجبال ، وقرب الظهر وجدواجـب مـاء في مغارة ، نزلوا ليشربوا وتشرب الخيل وليستريحوا في الظل . لاحظ الشاطر محمد أن للمغارة سلم ينزل في جوف الأرض ، قال أكبر الأخوة : هذا مخيف .. قال الثاني : ما جئنا نبحث عن كنوز .. جئنا نبحث عن طلب أبينا .. البنات الشقيقات . صمت الشـاطر محمد ولم يتكلم . وكان التعب قد تمكن منهم فرقدوا ليستريحـوا لكنهم نامــوا حتى دخل عليهم الليل .
في ظلام الليل استيقظ الشاطر محمد على خطوات بجوار رأسه، نظر جيدا فرأى غولا سكرانا يدخل المغارة ، وينزل على السلم في الظلام . تبع الشاطر محمد الغول في حذر، كانت المغارة مظلمة لكن النور يخرج من حجرة في آخر المغارة دخل إليها الغول السكران . فجأة سمع الشاطر محمد صوت فتاة يأتي من الظلام من جانب السلم قائلا : الحمد لله على السلامة يا شاطر محمد . تعجب الشاطر محمد واقترب من الفتاه وسألها : كيف تعرفين اسمي ؟ قالت : قرأت في الكتاب أن من يخلصنا من هذا الغول المسطول الشاطر محمد . نحن سبعة بنات شقيقات خطفنا هذا الغول ويريد أن يتزوجنا ، ولما رفضنا حبسنا هنا .
تسلل الشاطر محمد إلى غرفة الغول ، وجده مسطولا ينام على السرير ، رفع الشاطر محمد السيف وكبر باسم الله وهوى على رأس الغول فقطعه . وأسرع خارجا
قالت له الفتاة : أنا أصغر أخواتي .. خذ .. هذه فردة خلخالي خلها معك حتى تعرفني
في الصباح ..
قال لها : لا بأس .. انتظرونا .. ولا تخرجي حتى أحضر أنا أو أحد أخوتي .
وضع الشاطر محمد فردة الخلخال في جيبه وعاد إلى حيث ينام أخوته فنام في مكانه كأنه لم يحدث شئ .
في اليوم التالي سـاروا طوال النهار حتى دخل الليل ، فدخلوا إلى جب آخر وأكلوا وشـربوا وناموا ، لكن الشاطر محمد نومه خفيف ، سمع ديكا روميا يصيح ، قال لنفسه عجبا .. ديك رومي هنا ..؟ ويصيح بالليل ..؟ زحف حتى اقترب من الديك الرومي ورماه بحجر فسقط ميتا . اهتزت الأرض وانفتح في المغارة باب خلفه كنز لا يعرف مقداره غير الله . دخل الشاطر محمد ووضع في جيبه من كل كومة قطعة وخرج وقال : اقفل باسم الله ..فاهتزت الأرض وأغلق الباب . هتف : افتح باسم الله .. فانفتح الباب . عرف الشاطر محمد أن هذا هو مفتاح الكنز فأغلقه وعاد لينام بهدوء إلى جوار أخوته وكأن شيئا لم يحدث .
في الصباح خرج الجميع من المغارة وساروا في طريقهم . كان هذا الطريق هو الطريق إلى بلد شيخ الغيلان . شم شيخ الغيلان رائحة الأولاد عن بعد فخرج إليهم ونفخ فيهم فطاروا جميعا في الهواء هم وخيولهم عدا الشاطر محمد .
قال شيخ الغيلان : اسمع يا شاطر محمد .. أنا أعرفك .. وأخاف منك .. !!
قال الشاطر محمد : تخاف مني أنا وأنت شيخ الغيلان ..؟!! لقد نفخت نفخة واحدة .
هف .. طيرت أخوتي في الهواء .. فكيف تخاف منى ولماذا ؟
قال شيخ الغيلان : هل تعاهدني .. لا أضرك .. ولا تقتلني .. وتبقى معي ..
قال الشاطر محمد : أعاهدك .. بشرط أن تعيد أخوتي وتتركهم في حالهم ..
قال شيخ الغيلان : الله على ما نقول شهيد . الفاتحة . وقرءوا الفاتحة .
مد الغول يده وأنزل الشباب بخيولهم إلى الأرض ، قال الشـاطر محمد : يا أخوتي ارجعوا إلى أبيكم .. أما أنا فقد عاهدت هذا الغول الطيب على الأمان و أن أبقى معه .. لكن قبل أن ترجعوا .. أتعرفون المغارة التي بتنا بها أول ليلة ..؟ انزلوا على السلم سوف تجدون سبع بنات شقيقات أنا خطبت الصغرى .. فعودوا بهن وتزوجوا .. وانتظروني ..
وعلى الله اللقاء .
عاد الأولاد بالبنات إلى قصر أبيهم وقصوا على أبيهم ما حدث لكنهم لم يقولوا أن من وجد البنات وقتل الغول هو الشاطر محمد بل قالوا نحن فعلنا .. وفعلنا .. وأن البنت الصغرى هي هدية للملك الأب . وأقيمت الأفراح وتزوج أبناء الملك . لكن البنت الصغرى رفضت الزواج . قال الملك : اتركوها .. إنها صغيرة .. وستكبر .. !!
قال الشاطر محمد : يا شيخ الغيلان .. لماذا تعيش وحدك ..؟ لماذا لا تتزوج ؟ قال شيخ الغيلان : لأن من أريدها لا أقدر على الوصول إليها ..إنها [ ست الحُسـن والجمال بنت الملك أبو الأفضال ..
قال الشاطر محمد : هل هي جميلة ..؟!!
قال الغول : أجمل النساء
قال الشاطر محمد : وإن أحضرتها ..؟!!
قال الغول : أتركك ترجع لأهلك بسلام ..
قال الشاطر محمد : اعطني مهلة وسأحضرها هنا .. قال له الغول : سمحت لك بمهلة ثلاثة أشهر ..
توكل على الله وخرج الشاطر محمد يبحث عن ست الحسن والجمال .
المغامرة الثانية :
ست الحسن والجمال
وصل الشاطر محمد إلى مدينة الملك أبو الأفضــال قـرب الظهر ، وجد على سور المدينة مجموعة كبيرة من الرؤوس ، اندهش الشاطر محمد وقال لنفسه : كل هذه الرؤوس لناس ماتوا ؟ ولماذا علقوا هكذا ؟!! . وجد بائع ترمس يقف في الظل وينادي : المملح .. اللذيذ يا ترمس ..!! . اقترب الشاطر محمد منه وسأله : يا عم .. لمــاذا تعلقون هذه الرؤوس؟ !!
قال الترامسي : أنا أبيع الترمس اللذيذ هل تريد بمليم ..أم ستشتري بقرش ؟ قال الشاطر محمد : ألا تسمعني .. أنا أسأل عن خبر هذه الرؤوس ..؟!!
قال البائع : يا ولدي اذهب في حالك ..!! مالك ومال الرؤوس .. ؟!!
انصرف الشاطر محمد إلى الخضري والجزار والكنفاني .. وكلهم يقــولون له إن شئت بعنا لك ..أو اتركنا وانصرف ، ولم يخبره أحد عن سر الرؤوس المعلقة على سور المدينة . رأى الشاطر محمد عجوزا ترعى عنزاتها في مكان قريب فذهب إليها حيث تجلس في الظل وقال : يا خالة .. أنا غـريب ولا أعرف عادات المدينة ولا أطـعمتها .. خذي هذا الجنيه الذهبي .. أحضري طعاما لنا ولعنزاتك .. فرحت العجوز وأسرعـت بعد أن أوصته برعاية عنزاتها .
لم تتأخر العجوز فالسوق قريب ، وأحضرت الطعام لعنزاتها وللشاطر محمد ، أقسم الشاطر محمد أن تأكل العجوز معه و إلا فلن يذوق الطعام . جلست العجوز أمامه تأكل حتى شبعت . ضحكت العجوز وقالت : تريد أن تعرف مني شيئا ؟
قال الشاطر محمد : نعم يا خاله .. أنا أسأل عن سبب تعليق كل هذه الرؤوس ولماذا قطعت قالت العجوز يا ولدي أنت شاب صغير .. مالك ومال المصائب ..؟!!
قال الشاطر محمد : أقسمت عليك بالله الذي رزقنا وأطعمنا .. أن تتكلمي ..
قالت العجوز : يا ولدي للملك الأفضل بنت جميلة جل الله من خلق .. وقد صنع لها قصرا تحت الأرض .. طوله أربعين فدانا .. وعرضه أربعين فدانا وارتفاعه أربعين دورا .. وكل من يذهب لخطبتها من الشباب .. يعطيه مهلة سبعة أيام للوصول إليها .. في حجرتها التي لا يعرفها أحد من خارج القصر .. فمن يعجز .. يقطع رأسه ويعلقها على السور .. وأمامك تسعة وثلاثون رأسا .. فهل تريد أن تكون الأربعين ؟
قال الشاطر محمد في بشر : من استشار مثلك .. لا تقطع رأسه ..
قالت العجوز : عندي فكرة .. هل تقدر أن تأتي لي ببقرة جلدها من الذهب .. ؟!! قال الشاطر محمد : سوف أسأل الصياغ وأعود إليك .
مشى الشاطر محمد في السوق فوجد العسكر يمسكون بصائغ يجرونه إلى السور لقتله ، قال لهم الشاطر محمد : ماذا عليه ؟ قالوا : عليه ألف جنيه غرامة .. لأنه فشل
في الوصول إلى بنت الملك أبو الأفضال .. قال الشاطر محمد : أنا أدفعها عنه .. !!
أخرج من جيبه من الجــواهر ما قيمته ألف جنيه وأعطاها لكبير العسكر وخلص الصائغ
قال الصائغ وهو يقبل رأس الشاطر محمد ويديه ورجليه .. أنا عبدك .. خلصتني من الموت
أنت عليك الأمر وأنا على الطاعة . قال الشاطر محمد : يا رجل .. كلنا عبيد الله .. والأمر لله وحده .. أنا اطلب منك خدمة هل تستطيع أن تصنع لي بقرة جلدها من الذهب ومفتاح بابها من داخلها وتتسع لمثلي ؟!! قال الصائغ : طبعا .. المهم أن أجد الذهب الذي يكفي لصنع هذه البقرة .. !! قال الشاطر محمد : انتظرني في المكان كذا .. وسأعود إليك بعد يومين .
عاد الشاطر محمد ففتح الكنز وأخرج منه ما يلزمه من ذهب ورجع إلى الصائغ الذي قام بعمله في أسبوع واحد . قالت العجوز للشاطر محمد : خش يا شاطر داخل البقرة وأغلق عليك الباب . دخل الشاطر داخل البقرة الذهبية ودفعت العجوز والصائغ البقرة مغطاة
على عجل إلى قصر الملك أبو الأفضال .
قالت العجوز للملك : يا مولاي .. عزمت على زيارة بيت الله بالحجاز .. وسوف أغيب شهرا .. ولدى ما أخاف عليه .. بقرة ذهبية .. هل تحفظها لي حتى أعود .. ؟
قال الملك : أدخلوا البقرة إلى قصر الأميرة تحت الأرض .. واذهبي في أمان الله ..
جر الخدم والعبيد البقرة الذهبية إلى داخل القصر ، وعندما كشف الغطاء عنها تجمعت النساء لتتفرج على البقرة الذهبية ، تفرجت الملكة .. وزوج الوزير وزوج القاضي وزوج المحتسب وزوج كبير الحراس .. ولم يبق غير ست الحسن والجمال . قالت الملكة للملك أبو الأفضال : يا مولاي .. لقد تفرجت النساء والبنات على بقرة العجوز الذهبية .. ما عدا ابنتك .. حسنة .. ست الحسن والجمال .. قال الملك .. احملوها إلى جناحها لتتفرج عليها واتركوها عندها ..
حمل الخدم والعبيد البقرة الذهبية ووضعوها كما أمر الملك في جناح الأميرة .. أعجبت الأميرة بالبقرة الذهبية .. وطلبت أن يضعوها في حجرة نومها . وضعوها وانصرفوا
وبعد أن دخل الليل وهدأ القصر ونامت الأميرة ، فتح الشاطر محمد الباب بهدوء وخرج إلى غرفة الأميرة ، كانت نائمة في هدوء ، وقف الشاطر محمد مندهشا للحظات وهو يقول : سبحان الله الخالق .. صور فأبدع . لكنه تمالك نفسه وأسرع يبحث في الجناح عن الطعام والماء فوجد ألوانا من الطعام والشراب فأكل وشرب وحمد الله ثم عاد إلى داخل البقرة .
في الصباح قامت الأميرة تبحث عن الطعام والفاكهة فلم تجد شيئا ، فاتهمت الخدم أنهم نسوا أن يحضروا الطعام .. أقسم الخدم أنهم أحضروا الفاكهة والطعام والشراب كالمعتاد .. لكن الأميرة لم تصدق .. وطلبت تغيير الخدم بغيرهم ..
عندما جاء الليل ، خرج الشاطر محمد إلى جناح الأميرة فأكل وشرب وحمد الله ولكنه عندما عاد وقف أمام جمال الأميرة مأخوذا ثم مال يقبل يدها فأمسكت به وصرخت : لص .. أدركوني .. أغلق الشاطر محمد فمها وأخبرها بقصته .. فعرفت أن الله بعث لها أخيرا من يخرجها من هذا السجن .
قالت : هل تعاهدني على الأمانة .. قال : أعاهدك .. قالت : ستبيت معي هنا في غرفتي وسأدلك على مداخل ومخارج القصر .. وستعيش معي هنا حتى تتعرف على كل شئ في القصر .. قال الشاطر محمد : سأبقى معك حتى تعود العجوز بعد شهر لتأخذ بقرتها ..
قالت : هذا يكفي ..
عاش الشاطر محمد شهرا مع الأميرة ، في الصباح تأخذه في رحلة إلى مداخل القصر وطرقه وفي الليل ينامان على سرير واحد وبينهما سيفه وكتاب الله حتى جاءت العجوز وطلبت أمانتها فسلمها لها الملك .
خرج الشاطر محمد في صباح اليوم التالي من بيت العجوز وقصد فصر الملك وقال
: أيها الملك .. جئت أطلب يد ابنتك حسنة .. ست الحسن والجمال . نظر إليه الملك في حزن وقال : يا ولدي أنت تبدو ابن ناس طيبين .. وأنت صغير السن .. خسارة في الموت
قال: يا مولاي ..وهل يعز المرء على الموت ؟ قال الملك : هل تعرف الشروط .. قال الشاطر محمد نعم يا مولاي .. ورأسي الثمن أو أدفع الغرامة .. قال الملك : أدخل .. وأمامك أسبوع .. فإن عرفت طريق الأميرة .. وجئت بها .. عقدت لك عليها بحلال الله .. وإن لم تقدر .. دفعت الغرامة .. أو نقطع رأسك ونعلقها على السور .. قال الشاطر محمد: يفعل الله ما يشاء ..
اندفع الشاطر محمد إلى داخل القصر ، واتجه مباشرة إلى جناح الأميرة فهو يعرف مداخل القصر جيدا ، وما هي إلا ساعة وكانت الأميرة مع الشاطر محمد أما الملك . قام الملك فرحا ، فها هو أخيرا يجد من يستحق سيدة الحسن والجمال .. وأحضر القاضي والشهود وزوج الشاطر محمد من الأميرة وأقيمت الأفراح والليالي الملاح .
وكان شيخ الغيلان ينتظر عودة الشاطر محمد على نار ..
المغامرة الثالثة :
بلاد الواق واق
بعد أيام من الفرح استأذن الشاطر محمد من الملك أبو الأفضال أن يعود بزوجه ، فأذن له وودعه حتى سور المدينة . كان على الشاطر محمد أن يوفي بعهده ويعود إلى شيخ الغيلان
لكن ما كان يفكر فيه .. كيف يتخلص من الغول الكبير وقد وعده ألا يقتله ..؟ ولكـنه لا يستطيع أن يترك له امرأته ست الحسن والجمال . !!
لاحظت ست الحسن والجمال أن الشاطر محمد يفكر مهموما فسألته : ماذا يشغل بال زوجي .. فحكى لها الشاطر محمد ما حدث وما كان بينه وبين شيخ الغيلان ، قالت الأميرة :
لا تقلق .. خذني إلى شيخ الغيلان .. وسترى ..!! طالما نحـن نقصد فعـل الخير فسـوف يساعدنا الله .. !!
عندما وصلت الأميرة إلى بلد شيخ الغيلان شم رائحتها عن بعد فاستعد للزواج منها
واستقبلها عند أول الطـريق سعيدا .. وحملهما عـلى يده حتى باب قصره . قالت له يا شيخ لن أتزوج بلا شهود .. قال الغول : الشاطر محمد يشهد .. قالت لابد من شاهد آخر .. قال الشاطر محمد أنا أذهب وأحضر الشاهد الآخر لكن لابد أن تعاهدني ألا تغدر بهذه الفتاة قبل حضوري .. !!
أقسم الغول أن يحفظ المرأة حتى يعود الشاطر محمد .
اختفى الشاطر محمد خلف أحد الأعمدة واستمع إلى ما يدور بين الغول وست الحسن والجمال . قال الغـول : لا تخافي يا روحي .. لن أمسك قبل أن يعود صاحبي
قالت الأميرة : بالمناسبة .. أين روحك .. ؟!! قال الغــول : ومالك ومال روحي ..
قالت : أريد أن أعرف .. حتى أحافظ على حياتك .. وحياتي .. أخبرني ..
قال الغول العاشق : روحي في علبة .. في بطن تمساح .. في بحر بلاد الواق واق ..
قالت الأميرة : الآن .. أنا مطمئنة ..
أسرع الشاطر محمد إلى شط البحر وهو يفكر مهموما : أين بلاد الواق واق ..؟
وكيف يصل إليها ..؟!! عندما وصل إلى شاطئ البحر كان المغرب قد وجب فتوضأ وصلى ودعا الله أن يعينه . وما أن ختم الصلاة حتى ظهرت له العجوز . فرح بها الشاطر محمد وسألها : لماذا أنت هنا يا خالة ..؟!! قالت العجوز : جئت لأساعدك .. قال : وهل تقدرين ؟ قالت : إن شاء الله .. اركب على كتفي .. ركب على كتفها وقالت : يا قوة الله .. وطارت به في الظلام فوق البحار . ما هي إلا ساعة حتى كان على شاطئ غريب .. قالت له : انزل هنا أيها الأمير .. هذا شاطئ بحر الواق واق .. سأعود إليك بعد يومين .. وتركته وطارت .
كان مرهقا فنام على الشاطئ حتى يطلع الصبح . لكنه استيقظ قــرب صلاة الفجر على صوت صراخ وضجة عظيمة . نظر حوله ، فوجد ناسا تصرخ وتلطم ، ثم سرعان ما انصرفوا .. وتركوا خلفهم فتاة وحيدة مقيدة على الشاطئ ودخلــوا المدينة وأغلقـوا خلفهم الأبواب . تعجب الشاطر محمد وذهب إلى حيث الفتاة وسألها : ماذا يحدث ؟ قالت له اذهب بعيدا .. أنت خسارة .. التمساح يأكلك ..! كان الظلام لم يذهب بعد .. ولم تكن قادرة
على رؤية وجهه ، ولم يكن قادرا على رؤية وجهها ، لكن صوتها كان رقيقا وخائفا . قال لها الشاطر محمد : إما أن نموت نحن الاثنين ..أو نعيش نحن الاثنين ..قالت : يفعل الله ما يشاء ..
جلس إلى جوارها ووضع رأسه على فخذها وهي تقص لـه كيف أن هـذه المدينة مدينة للأعـوان لكنهم لا يقدرون على التمساح الرهيب الذي يخرج عليهم مـن العام للعام مرة ليأكل واحدة من بنات الأعوان . فإذا لم يجـدها خرب المدينة كلها . عند هذا الحد من الحكاية كان الشاطر محمد قد راح في النوم اللذيذ .
فجأة خرج التمساح الرهيب من بحر بلاد الواق واق .. لم تستطع البنت من الخوف أن تنطق ، لكن دموعها التي سقطت على وجه الشاطر محمد أيقظته فأمسك بسيفه واستقبل به التمساح المندفع من الماء فلما دخل السيف في قلب التمساح قذف من فمه بعلبة صغيرة أسرع الشاطر محمد بوضعها في جيبه فهو يعرف أن بها روح شيخ الغيلان .
مات التمساح من فوره ، وقامت الأميرة فعضت الشاطر محمد في ذراعه وربطت منديلها الحريري على ذراعه ، ثم أسرعت تزغرد تجاه أسوار المدينة . فتحوا لها الباب وارتفعت الزغاريد بعد أن أخبرتهم بمقتل التمساح الشرير ، وطلب الملك أن يرى البطل الذي قتل التمساح . فتقدم الكثير من الشباب يزعمون أنهم من قتلوا التمساح . وكلما وقف واحد منهم أمام الأميرة تقول : إنه ليس هو .. حتى لم يبق في المدينة أحد .. قال الملك ابحثوا عن البطل .. قالوا لم يبق في المدينة غير غنام أقرع يرعى الغنم لواحدة عجوز خارج المدينة قال الملك : هاتوه .. فأسرعوا يبحثون عنه .
كان الشاطر محمد قد تنكر في ثوب غنام فقير أقرع يرعى الغنم لسيدة عجوز مقابل
الطعام . جاء الحرس وأمسك بالشاطر محمد ، ثارت العجوز وقالت : لمذا تمسكون الأقرع راعي غنمي .. إنه لم يفعل شيئا ،؟!! قالوا يا أمي الملك يطلبه ؟ ضحكت العجوز وقالت :
وماذا يفعل الملك بغنام أقرع ..
عندما وقف الشاطر حسن بين يدي الملك قامت الأميرة بالكشف عن ذراعه فوجدت منديلها الحريري وأثر العضة . قالت : هو يا أبي .. اندهش الجميع وقالوا : هل معقول
أن يكون هذا الغنام الأقرع من قتل التمساح الرهيب ؟!! قال الملك : كلام الملوك لا يرد
الأميرة لك زوجة أيها الغنام .. خلع الشاطر محمد ثياب الرعي وقال : أشكرك يا مولاي
فأنا متزوج .. وقص عليه حكايته حتى وصوله إلى ساحل البحر وقال أنه يرغب في العودة ليلحق بزوجه . قال العون الشاب : أنا استطيع حملك والوصول بك في شهر .. وقال الآخر أنا أستطيع الوصول في أسبوع .. قال الشاطر محمد : لقد وصلت في ساعة .. سأنتظر خالتي العجوز فستحضر غدا . أقامت المدينة الأفراح وبقى الشاطر محمد حتى حضرت العجوز في الموعد وحملته على كتفها وطارت به إلى بلاد شيخ الغيلان ..
كان شيخ الغيلان ينتظر وصول الشاطر محمد بشوق .. قال : هل جئت بالشهود .. قال الشاطر محمد : جئت بما هو أحسن .. هدية لست الحسن والجمال .. علبة صغيرة ..
حينما قدم الشاطر محمد العلبة التي بها روح شيخ الغيلان .. عرفها الغول ، عرف أن نهايته قد جاءت ، أخذت ست الحسن والجمال العلبة من يد الشاطر محمد ولم تكد تفتحها حتى خرجت روح شيخ الغيلان ووقع الغول الكبير ميتا .
قالت العجوز : هيا يا أولاد .. أريد أن أطمئن عليكما قبل أن أعود إلى بلادي . قال الشاطر محمد : شكرا يا خالة ..!! لن أنسى جميلك ما عشت .. انصرفي في أمان الله .. سأركب أنا وست الحسن الخيل ونعود إلى مملكة أبي .. فهي قريبة ..
طارت العجوز إلى بلادها وركب الشاطر محمد وزوجه الخيل واتجها إلى مغارة الكنز
وهناك وقف الشاطر محمد وقال : انفتحي بأمر الله .. فانفتح باب المغارة وحمل ما يستطيع حمله من المال والذهب والجواهر ثم أغلق الباب وسارا إلى بلاده .
هناك استأجر منزلا في مدينة أبيه الملك دون أن يعرفه أحد ، وضع به حاجياته وخيله ، وبدأ يبحث عن عمل حتى وجده عند كبير الصياغ
مسك الختام
فردة الخلخال
قال الملك للبنت الصغرى : يا ابنتي .. أخواتك تزوجن .. وأنا لا زوج لي .. والشاطر محمد لا تبدو له عودة ..!! ربما أكله أحد الغيلان .. أو الوحـوش .. فإن كـان يرضيك أن تتزوجي الملك .. تزوجتك .. أو اختاري من تشائين من أبناء الأعيان ..!!
قالت البنت الصغرى : يا مولاي .. لن أتزوج إلا من يأتيني بفردة أخرى من هذا الخلخال .. لا تختلف في الوزن ولا في النقش .
أرسل الملك فجمع الصياغ كلهم وعرض عليهم [ فردة الخلخال ] فاعتذروا جميعا ..
فليس في مقدرة أحد منهم عمل تلك النقوش الدقيقة .. عندها نادى الملك على كبير الصياغ وأعطاه فردة الخلخال .. وأمهله أسبوعا واحدا ليصنع مثلها .. وإلا قطع رأسه ..!!
ذهب كبير الصياغ إلى دكانه مهموما فوجد صبيه ينتظره ليسأله : لماذا تأخرت يا سيدي ..؟
قال كبير الصياغ : مصيبة يا محمد يا بني .. الملك أمرني أن أصنع له فردة مثل هذه .. خلال أسبوع .. وإلا قتلني .. وأنا لا لا أستطيع .. !!
قال له الشاطر محمد : لا تحمل هما يا سيدي .. أنا أصنع لك مثلها .. ضحك كبير الصياغ وقال : كيف وأنت صبي لا تحسن الصناعة ..؟!!
قال الشاطر محمد : إذا لم أفعل .. خذني إلى الملك ليقطع رأسي ..
كل ما أطلبه رطل من الجوز ورطل من اللوز .. ورطل من عين الجمل .. وأغلق على باب
الدكان ولا تفتحه إلا في الصباح ..
قال الصائغ : هذا ولد مجنون ..!! لكن لن يضرني أن أطيعه .. فالله قادر على كل شئ .. يضع سـره في أضعف خلقه ..
أتى كبير الصياغ للشاطر محمد بما طلبه وأغلق عليه الدكان وذهب إلى غرفته أعلى الدكان لينام . وكلما دق الشاطر محمد ليكسر جوزة أو لوزة قال الصائغ : يا مسهل .. الولد يعمل .. !!
في الصباح أخرج الشاطر محمد فردة الخلخال الأخرى ووضعها إلى جوار أختها ،
وجاء كبير الصياغ فرأى الخلخال فلم يصدق عينيه ، وأسرع إلى الملك الذي دفع له مبلغا كبيرا من المال
قالت البنت الصغرى : طلبي الأخير يا مولاي .. أن أرى من صنع فردة الخلخال ..
أرسل الملك في طلب كبير الصياغ .. وعندما حققت معه البنت اعترف أن الصانع هو صبيه محمد .. فأمر الملك أن يأتي به فورا ..
حينما دخل الشاطر محمد على البنت والملك ، عرفته البنت فورا ، وتأمله الملك لكن لم يخطر على باله أن ابنه الأصغر قد عاد سالما . وقامت البنت الصغرى وعانقت الشاطر محمد . وعندما نهرها الملك ضحكت و قالت : ألا تعرف ابنك يا مولاي .. ؟!! إنه الشاطر محمد .. الذي خلصنا من الغول المسطول ..!!
صرخ الملك من الفرحة ، وأمر بإقامة الأفراح وزوج الشاطر محمد من البنت الصغرى وجعل لها قصرا خاصا بها .. كما جعل لست الحسن والجمال قصرا آخر ..
وعاش الجميع في تبات ونبات .. وخلفوا الصبيان والبنات ...
وتوته توتة .. فرغت الحدوتة ..
جمعها وصاغها للناشئة
درويش الأسيوطي
كتبها darwish al-asuty في 07:54 مساءً ::
أستاذنا الشاعر الجميل درويش الأسيوطي أنت دجائما مبدع في كل شيء لذا أحبك كثيرا
